السلطة الإعلامية لم تعد تسكن في الأبراج الزجاجية/ سيدي ولد النمين

يشهد الحقل الإعلامي في زمننا الراهن تحوّلاً بنيوياً عميقاً يتجاوز حدود التطور التقني العابر، ليغدو انتقالاً حضارياً في بنية الاتصال ذاتها، وفي طبيعة العلاقة بين المعلومة والسلطة والجمهور، وبين المُرسل والمتلقي، بل وفي تعريف المؤسسة الإعلامية ومفهوم الخبر والمصداقية على السواء.

إن ما نعيشه اليوم لا يشبه مجرد استبدال شاشة بشاشة أو موجة بأخرى، بل هو أقرب إلى تلك اللحظات الفاصلة في التاريخ الإنساني حين انتقل البشر من المخطوط إلى المطبعة، و من الرسائل المحمولة على ظهور الخيل إلى الهاتف؛ لحظة يعاد فيها تشكيل الوعي الجمعي بقدر ما يعاد تشكيل الأداة.

ففي القرن العشرين كانت الإذاعة والتلفزيون يمثّلان ذروة الحداثة الاتصالية، ومنصات مركزية لتشكيل الرأي العام وصياغة السرديات الكبرى وتوجيه الإدراك الجمعي، مستندين إلى احتكار تقني حال دون امتلاك الأفراد لأدوات البث، وإلى هيمنة سردية جعلت الرواية الإعلامية “شبه موحدة”، وإلى “شرعية رمزية” ربطت المصداقية بالظهور على شاشة رسمية أو خلف ميكروفون معترف به. غير أن هذا البناء المتماسك أخذ يتآكل تدريجياً مع صعود الإنترنت، ثم تعرّض لزلزال حقيقي مع انتشار الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث لم يعد الجمهور ينتظر النشرة الإخبارية المسائية ولا البيان الصباحي، بل بات يتلقى الحدث في لحظة وقوعه، بل أحياناً يراه قبل أن تدركه المؤسسات التقليدية نفسها. وهكذا تحوّلت الوسائل التي كانت يوماً قمّة الحداثة إلى أدوات أقرب إلى الرمزية الأرشيفية، شبيهة بالتلكس والفاكس، موجودة فيزيائياً لكنها فاقدة لمركزيتها التاريخية، لا لأن وجودها انتهى، بل لأن قدرتها على التأثير الحاسم تراجعت أمام سرعة الشبكات وتعدد المنابر وتفكك ماهية احتكار المعنى.

 

في قلب هذا التحول برزت ظاهرة يمكن تسميتها بولادة “الفرد–المؤسسة”، حيث أصبح الهاتف المحمول المزود باتصال بالإنترنت بمثابة غرفة أخبار متنقلة، يحملها شخص واحد في جيبه ويستطيع من خلالها التصوير والتحرير والبث المباشر والتعليق والتفاعل وقياس ردود الأفعال في الزمن الحقيقي.

لقد انهارت الحواجز القديمة بين الصحفي والمتلقي، وبين المنتج والمستهلك، وبين الناشر والقارئ، وأصبح كل متلقٍ مشروع ناشر محتمل، وكل مواطن شاهداً محتملاً، وكل صاحب رأي منصة تحليلية مصغرة. السلطة الإعلامية لم تعد تسكن في الأبراج الزجاجية ولا في استوديوهات البث الفخمة، بل انتقلت إلى فضاء شبكي لامركزي، مرن، سريع التشكل، وعصيّ على الاحتواء الكامل. وهذا الانتقال لا يعني بالضرورة ارتفاع مستوى الجودة أو ترسخ المصداقية، لكنه يعني انفجاراً هائلاً في عدد السرديات والزوايا، بحيث لم يعد ثمة صوت واحد قادر على احتكار التفسير، بل فسيفساء متداخلة من الأصوات تتنافس على جذب الانتباه أكثر مما تتنافس على امتلاك الحقيقة.

 

ومن هنا لم يعد الإعلام مجرد وسيط ينقل السياسة، بل صار ساحة سياسية قائمة بذاتها، تُصنع فيها المواقف وتُختبر فيها القرارات تحت ضغط الرأي العام اللحظي الذي يتشكل خلال ساعات وربما دقائق. إن صانع القرار الذي لا يزال يراهن حصراً على التلفزيون الرسمي أو البيانات التقليدية إنما يخاطب جمهور الأمس بأدوات الأمس، في حين أن جمهور اليوم يعيش داخل فضاء رقمي لا ينتظر الإذن كي يتفاعل ولا يحتاج إلى وسيط كي يعبّر.

الإعلام الجديد لا يسرّع دورة الحدث فحسب، بل يعيد تشكيل بنية الفعل السياسي نفسه، إذ يضعف احتكار المعلومة، ويضخم دور الصورة الفورية، ويخلق ضغوطاً شعبية سريعة الإيقاع يصعب تطويقها بالوسائل البيروقراطية البطيئة. ومع هذا التحول انتقلنا من اقتصاد البث إلى اقتصاد الانتباه؛ فلم تعد القوة في عدد ساعات الإرسال ولا في ضخامة الاستوديو، بل في القدرة على اقتناص وعي المستخدم لثوانٍ معدودة وسط طوفان من المحتوى المتدفق بلا انقطاع. وهنا يتخذ الإعلام بُعداً خوارزمياً بقدر ما هو خطابي، إذ إن المنصات الرقمية لا تعمل بحياد تام، بل وفق أنظمة ترشيح وتوصية تخلق فقاعات رأي شبه مغلقة، ما يجعل إدارة الصورة والرسالة عملية معقدة تتطلب فهماً لبنية التقنية بقدر ما تتطلب براعة في الصياغة.

إن الاستمرار في الاستثمار الحصري في الوسائل التقليدية لا يمثل مجرد تأخر تقني، بل ينطوي على مخاطر استراتيجية تتجلى في فقدان الاتصال بالأجيال الشابة، وضعف القدرة على إدارة الأزمات الإعلامية السريعة، وتراجع النفوذ في النقاشات العامة الحقيقية التي تجري خارج الشاشات الرسمية. فالمشكلة ليست في بقاء التلفزيون أو الإذاعة، بل في الاعتقاد أنهما لا يزالان مركز الثقل الوحيد أو حتى الرئيسي. الرؤية الأكثر نضجاً لا تدعو إلى هدم القديم بقدر ما تدعو إلى إعادة توزيع الأدوار، بحيث تتحول الوسائل التقليدية إلى منصات عمق وتوثيق وتحليل طويل المدى، بينما تتولى الوسائط الرقمية إدارة اللحظة المتحركة والتفاعل المباشر وبناء الجسور مع جمهور يعيش في فضاء متغير لا يعترف بالانتظار.

إننا لا نشهد نهاية وسائل الإعلام الكلاسيكية بقدر ما نشهد نهاية احتكارها للمعنى والتأثير، وبزوغ عصر تتقاطع فيه الأصوات وتتنازع فيه السرديات ويتحول فيه كل فرد إلى عقدة اتصال في شبكة كونية هائلة.

ومن لا يدرك أن هاتفاً ذكياً في يد شاب قد يعادل في تأثيره استوديو كاملاً في زمن مضى، فإنه لا يخطئ في قراءة التقنية فحسب، بل يخطئ في قراءة المجتمع والسياسة واتجاه التاريخ نفسه.

 

من صفحة الإعلامي سيدي ولد النمين على فيسبوك