نواكشوط على طريق التحول التنموي.. من حصيلة الإنجاز إلى رهانات المرحلة الثانية بقلم/ المديرة الناشرة لموقع ثمار إنفو عيشة أحمد بلال
لم تكن الزيارة التي أداها فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، أمس الخميس إلى ولايات نواكشوط الثلاث، مجرد جولة لتدشين منشآت خدمية أو إطلاق مشاريع تنموية جديدة، بل شكلت محطة لاستعراض حصيلة برنامج تنموي واسع، والانتقال به إلى مرحلة ثانية أكثر اتساعا من حيث التدخلات والموارد والأهداف، في مسار يستهدف تحسين ظروف حياة المواطنين، وتطوير البنية التحتية للعاصمة، وتعزيز النفاذ إلى الخدمات الأساسية.
فمن تدشين منشآت تعليمية وصحية ورياضية وبيئية، إلى وضع حجر الأساس لمشاريع جديدة في مجالات المياه والكهرباء والطرق والصحة، وصولا إلى اللقاء المباشر مع أطر ووجهاء ولاية نواكشوط الجنوبية، حملت محطات الزيارة رسائل تنموية وإدارية واجتماعية، عكست أهمية مواصلة العمل على تقريب الخدمات من المواطنين، والاستماع إلى انشغالاتهم، وربط الخطط الحكومية بالاحتياجات الفعلية للسكان.
وتكتسب هذه الزيارة أهمية إضافية لكونها تأتي في سياق الاحتفالات المخلدة للذكرى السادسة والستين لعيد الاستقلال الوطني، بما تحمله المناسبة من معانٍ تتصل ببناء الدولة وتعزيز مؤسساتها وتطوير خدماتها، وتجعل من التنمية وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين أحد أبرز أوجه الاحتفاء بالاستقلال.
من حصيلة المرحلة الأولى إلى انطلاقة جديدة
كان الحدث الأبرز في برنامج الزيارة تدشين فخامة رئيس الجمهورية المرحلة الأولى من البرنامج الاستعجالي لتنمية مدينة نواكشوط، وإعطاء إشارة انطلاق مرحلته الثانية، التي رُصد لها غلاف مالي يناهز 115 مليار أوقية قديمة، على مدى ستة عشر شهرا.
وتكشف حصيلة المرحلة الأولى، التي نُفذت بغلاف مالي بلغ 69 مليار أوقية قديمة، عن حجم التدخلات التي شملت قطاعات تمس الحياة اليومية للمواطنين بصورة مباشرة، وفي مقدمتها التعليم والصحة والمياه والصرف الصحي والكهرباء والطرق الحضرية والشباب والرياضة والبيئة.
ففي قطاع التعليم، تم إنجاز 1335 حجرة دراسية، واكتملت الأشغال المبرمجة في هذه المكونة، فيما شهد القطاع الصحي إنجاز 18 مركزا صحيا من أصل 28 مركزا مبرمجا، مع تقدم الأشغال في المراكز المتبقية.
وفي مجال المياه والصرف الصحي، اكتملت مشاريع المياه الصالحة للشرب وردم البرك الراكدة، بينما تتواصل الأشغال المتعلقة بتصريف مياه الأمطار. كما بلغت نسبة الإنجاز في مكونة الكهرباء والإنارة العمومية مستويات متقدمة، واكتملت مكونة الطرق الحضرية، إلى جانب إنجاز المشاريع المبرمجة في مجالي الشباب والرياضة والبيئة والتهيئة الحضرية، مع استمرار العمل في بعض المنشآت التي لم تكتمل بعد.
وتعطي هذه المؤشرات صورة عن طبيعة البرنامج وأولوياته، إذ لم يقتصر على إنشاء المباني والمنشآت، وإنما امتد إلى شبكات الخدمات والتجهيزات الحضرية التي تحتاج إليها العاصمة، في ظل توسعها السكاني والعمراني وتزايد الطلب على المرافق العمومية.
ومن المهم في هذا السياق أن تُقرأ هذه الحصيلة باعتبارها خطوة ضمن مسار متواصل، لا نهاية لمتطلبات التنمية؛ فالعاصمة ما زالت تواجه تحديات تتعلق بالنمو الحضري والضغط على الخدمات وشبكات المياه والصرف الصحي والطرق، وهو ما يفسر الحاجة إلى مرحلة ثانية تواصل البناء على ما تحقق وتعالج ما بقي من نواقص.
تدشينات تترجم التنمية إلى خدمات ملموسة
وخلال جولته الميدانية، أشرف رئيس الجمهورية على تدشين عدد من المنشآت في ولايات نواكشوط الثلاث، شملت القاعة متعددة الرياضات بمقاطعة عرفات، ومركزين صحيين في الميناء والرياض بولاية نواكشوط الجنوبية.
كما شملت التدشينات مدرسة ولد بوبوط الابتدائية، والمركز الصحي بحي صوكوك في مقاطعة لكصر، والمكونة البيئية لساحة قصر المؤتمرات بولاية نواكشوط الغربية، إضافة إلى المركز الصحي بحي التيسير في مقاطعة دار النعيم بولاية نواكشوط الشمالية.
وتكتسب هذه المنشآت قيمتها من طبيعة الخدمات التي ستوفرها للمواطنين؛ فالمدرسة تعني توسيع فرص التمدرس، والمركز الصحي يعني تقريب الرعاية من السكان وتخفيف عناء التنقل، والقاعة الرياضية تفتح المجال أمام الشباب لممارسة الأنشطة الرياضية وصقل المواهب، فيما تسهم المنشآت البيئية في تحسين المحيط الحضري والفضاءات العامة.
ولعل اللافت في هذه المحطات هو تأكيد رئيس الجمهورية، خلال تدشين المركز الصحي بحي التيسير، أن مسؤولية القائمين على المنشآت الصحية لا تنتهي بافتتاحها، بل تبدأ معها مسؤولية المحافظة عليها وضمان حسن تسييرها وصيانة تجهيزاتها واستمرار خدماتها.
وهي رسالة تستحق التوقف عندها؛ لأن التنمية لا تقاس فقط بعدد المنشآت التي يتم تشييدها أو تدشينها، وإنما بمدى قدرتها على أداء وظيفتها، واستمرارية الخدمات التي تقدمها، وحفاظها على جودتها بعد سنوات من التشغيل. فالمنشأة العمومية ملك للمواطن، وصيانتها وحسن إدارتها مسؤولية مشتركة بين الجهات المشرفة والعاملين فيها.
المرحلة الثانية.. استثمار أوسع في الإنسان والبنية التحتية
إذا كانت المرحلة الأولى قد ركزت على معالجة عدد من الاختلالات الأكثر إلحاحا، فإن المرحلة الثانية تأتي لتوسيع نطاق التدخلات وإدخال مشاريع جديدة، بغلاف مالي يناهز 115 مليار أوقية قديمة، بما يعكس اتساع الرهانات المرتبطة بمستقبل العاصمة.
في قطاع التعليم، تتجه المشاريع الجديدة إلى بناء 510 حجرات دراسية، وإنشاء مؤسسات تعليمية جديدة، وتأهيل أخرى، فضلا عن بناء رياض للأطفال ومراكز موجهة للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وإنشاء سكنين داخليين للتلاميذ. وهي تدخلات تتجاوز زيادة الطاقة الاستيعابية للمؤسسات التعليمية إلى الاهتمام بظروف التمدرس ومبدأ تكافؤ الفرص.
أما في القطاع الصحي، فتتجه المرحلة الجديدة إلى تعزيز الطب المتخصص والاستجابة للحالات المستعجلة، من خلال إنشاء مركز للأمومة والطفولة، وأقسام للطوارئ، ومراكز لتصفية الدم، ومركز وطني للحروق البليغة، ومركز للصحة النفسية وعلاج الإدمان، إلى جانب مركز للتشخيص.
وتكتسب هذه المشاريع أهمية خاصة بالنظر إلى الحاجة إلى تطوير الخدمات الصحية المتخصصة، وتقليل أعباء التنقل والانتظار عن المرضى، وتعزيز قدرة المؤسسات الصحية الوطنية على التكفل بالحالات التي تتطلب تدخلا طبيا متخصصا.
وفي مجال المياه والصرف الصحي، تتضمن المرحلة الثانية توسيع الشبكات القائمة، وإنشاء شبكات جديدة، وتعزيز قدرات الضخ والمحطات، ومعالجة التسربات المائية، وصيانة شبكات الصرف الصحي، وردم عدد من البرك الراكدة. وهي مشاريع ترتبط مباشرة بالصحة العامة والبيئة الحضرية وسلامة الأحياء السكنية.
كما يحظى قطاع الكهرباء والإنارة العمومية بنصيب مهم من التدخلات، من خلال إنشاء محطات تحويل جديدة، وتحديث الشبكات القائمة، وتوسيع خطوط التوزيع، وتعزيز الإنارة العمومية، بما يساعد على تحسين الخدمة الكهربائية وتوسيع التغطية وتحسين ظروف الحركة في الشوارع والأحياء.
أما الطرق والبنية التحتية، فتتضمن المشاريع المقررة تعزيز الشبكة الحضرية، وإنجاز محاور طرقية جديدة، وربط الطريق الدائري بالشبكة الداخلية للعاصمة، وإنشاء جسور عند نقاط الازدحام، وهي تدخلات من شأنها أن تسهم في تحسين انسيابية حركة المرور وتسهيل التنقل بين مقاطعات المدينة.
ولم تغب فئة الشباب عن أولويات هذه المرحلة، حيث تشمل المشاريع بناء وتأهيل دور الشباب، وإنشاء ملاعب رياضية محلية، وتطوير عدد من المنشآت الرياضية القائمة، إلى جانب إعداد دراسة لتوسعة الملعب الأولمبي وإنشاء مضمار لسباق الخيول.
وفي مكونة البيئة والتهيئة الحضرية، تبرز مشاريع تأهيل الساحات العمومية والحدائق وبعض المحاور والشوارع، وإعداد دراسات لهيكلة وسط المدينة، فضلا عن تطوير المنشآت المرتبطة بالذبح والخدمات البيطرية.
إن تنوع هذه المشاريع يبرز أن مفهوم التنمية الحضرية لا ينحصر في الطرق والمباني، بل يشمل المدرسة والمستشفى والماء والكهرباء والرياضة والبيئة، أي مختلف العناصر التي تجعل المدينة أكثر قدرة على الاستجابة لحاجات سكانها.
حكومة الوزير الأول.. التنسيق والمتابعة من أجل تحويل البرامج إلى واقع
ولا يمكن تناول هذه الحصيلة دون الإشارة إلى الدور الذي تضطلع به الحكومة، برئاسة معالي الوزير الأول السيد المختار ولد اجاي، في متابعة تنفيذ البرامج التنموية وتنسيق جهود القطاعات المعنية.
فالمشاريع متعددة القطاعات بهذا الحجم تتطلب تنسيقا مستمرا بين مختلف الإدارات والمؤسسات، وتعبئة الموارد المالية والفنية، ومتابعة آجال التنفيذ، والوقوف على الصعوبات التي قد تعترض بعض المكونات.
وقد أكدت مداولات اللجنة الوزارية المكلفة بالتحضير للمرحلة الثانية، برئاسة الوزير الأول، أهمية استخلاص الدروس من المرحلة الأولى، ومعالجة التحديات المسجلة، وتعزيز التنسيق بين القطاعات لضمان تنفيذ المرحلة الجديدة في ظروف أفضل.
وهنا تبرز أهمية المتابعة الحكومية باعتبارها حلقة أساسية بين التوجهات المعلنة والنتائج المنتظرة؛ فنجاح أي برنامج تنموي لا يتوقف على حجم التمويل المرصود له وحده، بل يرتبط أيضا بجودة التخطيط، وصرامة التنفيذ، والشفافية، وحسن التسيير، والقدرة على تقييم النتائج وتصحيح الاختلالات.
من التدشينات إلى الحوار المباشر مع المواطنين
ولم تنته زيارة رئيس الجمهورية عند تدشين المنشآت وإطلاق المشاريع، بل اختتمت مساء الخميس بلقاء مع أطر ووجهاء ولاية نواكشوط الجنوبية، في محطة حملت بعدا تواصليا مهما، حيث أتاح اللقاء المجال أمام ممثلي السكان لعرض انشغالاتهم وتشخيص التحديات التي تواجه الولاية وتقديم مقترحاتهم بشأن الأولويات التنموية.
وفي كلمته خلال الاجتماع، أوضح رئيس الجمهورية أن الزيارة تهدف إلى تعزيز التواصل المباشر مع المواطنين، والاطلاع ميدانيا على ظروفهم المعيشية، والتعرف على احتياجاتهم والنواقص المسجلة في مختلف القطاعات.
واستعرض فخامته جانبا من المشاريع التي استفادت منها الولاية خلال المرحلة الأولى، خاصة في مجالات التعليم والصحة والطرق والإنارة والمنشآت الرياضية، مشيرا إلى أن المرحلة الثانية ستتضمن تدخلات إضافية، من بينها بناء حجرات دراسية جديدة، وإنشاء رياض للأطفال ومركز لترقية وتكوين الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، فضلا عن توسيع شبكات المياه وتعزيز البنية التحتية الكهربائية.
ولم يقتصر اللقاء على عرض حصيلة المشاريع والبرامج المستقبلية، بل تحول إلى مساحة للاستماع إلى مطالب السكان وملاحظاتهم، حيث ثمن المشاركون ما تحقق في إطار البرنامج الاستعجالي، وقدموا جملة من المطالب والمقترحات المتعلقة بأولويات الولاية واحتياجات سكانها.
وهنا تتجلى أهمية هذا النوع من اللقاءات؛ فالمواطن ليس مجرد مستفيد من المشروع التنموي، بل هو طرف أساسي في تحديد أولوياته وتقييم أثره، والاستماع إليه يتيح للجهات المعنية التعرف على جوانب النقص التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام وحدها.
كما أن تأكيد رئيس الجمهورية على تحسين الخدمات الأساسية وترشيد الموارد ومحاربة الفساد يضع أمام الإدارة والقطاعات المعنية مسؤولية مضاعفة، قوامها حماية المال العام، وتوجيهه إلى الأهداف المقررة، وضمان وصول ثمار المشاريع إلى مستحقيها.
التنمية مسؤولية مستمرة وأثرها في حياة المواطن هو المعيار
إن ما شهدته نواكشوط أمس من تدشينات وإطلاق مشاريع جديدة، وما رافقه من لقاء مباشر مع أطر ووجهاء نواكشوط الجنوبية، يقدم صورة متكاملة لمسار تنموي يجمع بين الإنجاز ومواصلة العمل، وبين الاستثمار في البنية التحتية والاهتمام بالإنسان، وبين تنفيذ المشاريع والاستماع إلى تطلعات المواطنين.
وبالنسبة لكل متابع للشأن الوطني، فإن تثمين هذه الجهود لا يعني الاكتفاء باستعراض ما تحقق، بل يعني أيضا التشجيع على مواصلة العمل، والحرص على أن تترجم البرامج الحكومية إلى نتائج ملموسة، وأن تحظى المنشآت بالصيانة والتسيير الجيد، وأن تظل مصلحة المواطن هي البوصلة التي توجه مختلف التدخلات.
لقد وضعت المرحلة الأولى أساسا مهما لمواصلة تطوير العاصمة، وتأتي المرحلة الثانية بحجم أكبر من الاستثمارات وتنوع أوسع في المشاريع، وهو ما يفتح آفاقا جديدة لمعالجة النواقص ومواكبة التحولات العمرانية والديمغرافية التي تعرفها نواكشوط.
إن بناء المدن لا يتحقق في يوم واحد بل هي مسار متواصل يحتاج إلى رؤية واضحة، وإرادة في التنفيذ، ومتابعة مسؤولة، وتعاون بين الدولة والمجتمع.
ومن هنا، فإن الرهان اليوم لا يقتصر على إنجاز المشاريع المعلنة، بل الرهان الحقيقي هو مسؤولية المواطن اتجاه هذا الوطن وتلك المشاريع المتنوعة وعليه المحافظة عليها وصون ماتم إنجازه منها وما سيتم إنجازه مستقبلا .