من سؤال التأسيس إلى استئناف المشروع الوطني/ محمد الأمين حيبلل

إن استحضار رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، من أطار، سؤالَ أب الأمة، رحمه الله، المختار ولد داداه سنة 1957، لا يقتصر على استعادة ذكرى تأسيسية، بل يحيل إلى سؤال ما يزال مطروحاً بصيغ مختلفة: أيُّ وطن نريد؟ وأيُّ دولة نريد أن نبني؟ وكيف يمكن وصل مشروع الدولة بواقع المجتمع وحاجاته؟
تختلف موريتانيا اليوم عن موريتانيا التي كانت في طور التشكل آنذاك؛ فقد تغير المجتمع، وتعاقبت الأجيال، واتسعت مؤسسات الدولة، وتراكمت التجربة السياسية والاجتماعية. غير أن الحاجة إلى مشروع وطني يستند إلى واقع البلد وخصوصيته، بدلاً من الاكتفاء بمحاكاة تجارب أخرى، ما تزال قائمة.
وعليه، لا تعني «العودة إلى البدء» الرجوع إلى الماضي، بل مراجعة الأسس التي ينبغي أن ينطلق منها أي تجديد: قراءة التاريخ، وفهم البنية الاجتماعية والثقافية، وتقييم التجربة الوطنية بقدر من الصراحة؛ بالإبقاء على ما أثبت فاعليته، ومراجعة ما تعثر، والتخلي عما لم يعد يحقق غايته، مع إدراك أن بعض المناهج المستوردة قد لا تنسجم بالضرورة مع السياق الموريتاني.
ولا يقاس النهج الملائم بمدى قربه من النماذج الجاهزة أو بقدرته على إنتاج خطاب جذاب، بل بمدى اتصاله بالواقع وقدرته على توظيف الخصوصية الوطنية في بناء سياسات قابلة للتطبيق.
في هذا السياق، يمكن أن يشكل الحوار الوطني المرتقب إطاراً لمراجعة الأولويات وتوسيع المشاركة في تحديدها. وتزداد قيمته بقدر ما يتيح تمثيل الآراء المختلفة، ويحول دون حصر صناعة المستقبل في نطاق نخبوي ضيق، ويجعل الاختلاف وسيلة لتحسين الخيارات لا سبباً لتعطيلها. ومن ثم، فإن صلته باستئناف المشروع الوطني تتوقف على قدرته على إنتاج توافقات عملية، لا على مجرد تنظيم النقاش.
فالرهان الأساسي يتمثل في نوعية المشاركة، ووضوح القضايا المطروحة، وصدق الإصغاء، ثم في تحويل المخرجات إلى سياسات ومؤسسات وممارسات قابلة للمتابعة والتقييم. وبهذا المعنى، يصبح الحوار الوطني مرحلة ضمن مسار أوسع لاستئناف المشروع الوطني، لا بديلاً عن العمل السياسي والمؤسسي ولا غاية مستقلة عنه.
نحن أمام لحظة لا تقتضي إعادة تأسيس الدولة من الصفر، كما لا تبرر الاكتفاء بإدارة الوضع القائم، بل تستدعي البناء على ما راكمته البلاد من تجربة، والاستفادة من إخفاقاتها، وتحديد أولوياتها المستقبلية بواقعية.
وموريتانيا ليست مطالبة باستنساخ مسارات الآخرين، بل بتطوير نهج يستند إلى تاريخها وواقعها، ويوازن بين الحفاظ على عناصر الاستمرارية والاستجابة للتحولات، بما يفتح المجال أمام استئناف المشروع الوطني على أسس أكثر وضوحاً واتصالاً بحاجات المجتمع.