استقرار الأسعار وتعزيز القدرة الشرائية : سياسة حكومية لصيقة بانشغالات المواطن

في سياق دولي مضطرب، تتسم فيه الأسواق بتقلّبات حادة، وتتعرض فيه سلاسل الإمداد لضغوط متزايدة، ويتفاقم معه الارتفاع العام في تكاليف المعيشة، اختارت موريتانيا أن تنتهج فعلًا عموميًا استباقيًا، منظمًا، وموجّهًا بوضوح نحو حماية القدرة الشرائية للمواطنين. هذا التوجّه، الذي تقف وراءه أعلى سلطات الدولة، تجسّد في حزمة من الإجراءات العملية، بدأت آثارها الملموسة تتبدّى في الأسواق وفي تفاصيل الحياة اليومية للأسر. ويظل الهدف ثابتًا لا يتغيّر: صون القدرة الشرائية، مع ضمان حسن انتظام وشفافية الدوائر التجارية.
معارض رمضان: أداة ناجعة للضبط والتنافسية
من بين هذه الإجراءات، برز تنظيم المعارض التجارية خلال شهر رمضان المبارك كأحد أهم روافد استقرار الأسعار. فمن خلال الربط المباشر بين المنتجين والمستوردين والمستهلكين، تسهم هذه الفضاءات التجارية المؤقتة في تقليص عدد الوسطاء، وتوسيع العرض، وترسيخ منافسة سليمة، تُعدّ عاملًا حاسمًا في كبح جماح الأسعار.
وإلى جانب بعدها الاجتماعي والروحي، تضطلع هذه المعارض بدور اقتصادي بنيوي، إذ تمكّن من :
‣ ضمان توفر متواصل للمواد الأساسية (الخضروات، التمور، منتجات الألبان، الدقيق، الأرز، اللحوم، الأسماك، السكر والزيوت)؛
‣ الحدّ من المضاربات التجارية التي غالبًا ما تصاحب فترات ارتفاع الطلب؛
‣ توفير إطار منظم، مراقَب وشفاف لعمليات التسويق.
ميدانيًا، تحظى هذه المبادرات بإقبال واسع من المواطنين، لا سيما الأسر الكبيرة وذوي الدخل المحدود، الذين تمثّل السيطرة على النفقات الغذائية خلال رمضان تحديًا محوريًا بالنسبة لهم .
غير أنه يجدر التنبيه إلى أن المعارض التي تُدار مباشرة من طرف الدولة لم تُفعَّل بعد على نحو شامل في جميع الولايات. وهي وضعية ليست محل غفلة، بل تتصدر أولويات السلطات العمومية، وتخضع لتفكير معمّق في إطار مخططات التنمية قصيرة المدى.
ويتجاوز التحدي هنا مجرد التوسّع الجغرافي، ليطال إدارة حقيقية للتغيير، تهدف إلى تطوير العقليات— لدى التجار كما لدى المستهلكين — نحو استيعاب مفهوم المعارض التجارية المؤقتة بوصفه أداة حديثة لرفع حجم المبيعات، وتقليص تكاليف الوساطة، وضبط الأسعار عبر المنافسة المستدامة.
ومن هذا المنظور، لم يعد من الملائم النظر إلى هذه المعارض كإجراءات استثنائية أو ذات طابع اجتماعي صرف، بل كآليات اقتصادية متكاملة، قادرة على هيكلة قنوات التوزيع، وتعزيز شفافية الأسعار، وتنشيط الأسواق المحلية، حتى خارج الإطار الزمني لشهر رمضان. والتحدي الراهن يكمن في تثبيت المكتسبات، وإضفاء طابع مؤسسي على الممارسات الفضلى التي أفرزتها معارض رمضان، وتوسيع هذا النموذج، حيثما كان ذلك مناسبًا، ليشمل فترات أخرى من السنة وقطاعات استراتيجية إضافية.
سياسة أشمل لضبط السوق وحماية المستهلك
غير أن اختزال الفعل الحكومي في هذه المعارض الموسمية وحدها يظل مقاربة قاصرة. فاستقرار الأسعار وحماية المستهلك يندرجان ضمن رؤية شمولية، تقوم على عدة محاور متكاملة.
في مقدمتها، تعزيز الرقابة على الأسواق ومتابعة تطور الأسعار، بما يحدّ من الممارسات غير المشروعة، كاحتكار السلع أو الزيادات غير المبررة. وفي هذا الإطار، تضطلع المصالح المختصة بوزارة التجارة، بالتنسيق مع السلطات الإدارية المحلية، بمهمة السهر على تطبيق القوانين النافذة وحماية حقوق المستهلكين.
كما تواصل الوزارة تنفيذ سياسة تأمين الإمدادات، لا سيما فيما يتعلق بالمواد الاستراتيجية، من خلال إلزام التجار والمنتجين والمستوردين بالتصريح بمخزوناتهم. وتهدف هذه الآلية إلى تقليص هشاشة السوق الوطنية أمام الصدمات الخارجية، وضمان وفرة العرض، باعتبارها شرطًا أساسًا لاستقرار الأسعار.
تسقيف أسعار المواد الاستراتيجية: تنظيم تشاركي ومتدرّج
يشكّل ضبط أسعار المواد الاستراتيجية كالأرز، السكر، الزيت الغذائي، غاز البوتان والقمح أحد الأعمدة الرئيسة لهذه السياسة. وإدراكًا لحساسية هذه المواد في سلة استهلاك الأسر، اعتمدت الدولة آلية تسقيف مؤطرة، تقوم على مقاربة تشاركية وديناميكية.
وفي هذا السياق، تُعقد اجتماعات دورية كل أربعة أشهر، تجمع المنتجين الوطنيين، والمستوردين، والموزعين، والمصالح الفنية المختصة بوزارة التجارة، بهدف تقييم تطور التكاليف، وإكراهات التزويد، وهوامش الربح المعتمدة. وتتيح هذه المشاورات المنتظمة:
‣ تحيين الأسعار القصوى وفق معطيات السوقين الدولي والمحلي؛
‣ الوقاية من انقطاعات التزويد؛
‣ تحميل مختلف الفاعلين مسؤولياتهم داخل السلسلة التجارية.
وتعكس هذه المقاربة إرادة واضحة في إحلال التشاور محل الارتجال، وبناء تنظيم الأسعار على معطيات موضوعية، مع الحفاظ على التوازن الدقيق بين حماية المستهلك وضمان الاستدامة الاقتصادية للفاعلين.
الدعم الاجتماعي ركيزة للصمود الاقتصادي
وبالتوازي مع آليات ضبط السوق، عززت الحكومة برامج الحماية الاجتماعية الموجهة للفئات الأكثر هشاشة، بالاعتماد على آليات استهداف شفافة وتحويلات مباشرة. حيث تُسهم هذه التدابير في التخفيف من آثار التقلبات الاقتصادية على الأسر ذات الدخل المحدود.
ويعكس هذا التكامل بين سياسة الأسعار والدعم المباشر للدخل فهمًا عميقًا للواقع الاجتماعي والاقتصادي للبلاد: فلا استقرار للسوق دون سياسة اجتماعية ملائمة، ولا جدوى للدعم الاجتماعي بمعزل عن سوق منضبطة.
آثار مرتقبة وديناميكية تحول تدريجية
وإن كانت الآثار الإيجابية للمعارض تُسجَّل حاليًا أساسًا في المناطق التي احتضنتها فعليًا، فإن الهدف المعلن يتمثل في توسيع هذه التجربة تدريجيًا، مع مراعاة الخصوصيات المحلية والقدرات اللوجستية لكل ولاية.
وفي الوقت ذاته، يسهم الرصد الدقيق للأسواق، إلى جانب آليات التسقيف والتشاور مع الفاعلين الاقتصاديين، في ترسيخ قدر أكبر من قابلية التنبؤ بالأسعار، وهو عنصر أساسي للأسر في إدارة ميزانياتها. أما بالنسبة للتجار، فإن هذا الإطار الأكثر تنظيمًا يحدّ من منسوب عدم الثقة، ويعزز منافسة عادلة تقوم على النجاعة بدل المضاربة.
وتعكس هذه الديناميكية، التي لا تزال في طور الترسيخ، إدارة عمومية في حالة تعلّم دائم، يقِظة لنبض الميدان، وقادرة على تكييف أدوات تدخلها. وهي، في جوهرها، تعبير عن قناعة راسخة: أن التنظيم الاقتصادي الفعّال لا يُفرض بقرارات فوقية، بل يُبنى بالحوار، والتوعية، ومواكبة التغيير.
ترسيخ المكتسبات واستشراف المستقبل
إن المسار المعتمد اليوم يستدعي تثبيته عبر مأسسة آليات التشاور، والتوسّع المدروس للمعارض المؤقتة، وتعزيز القدرات المحلية في مجال الضبط والتنظيم. وحده هذا النهج كفيل بجعل استقرار الأسعار وحماية القدرة الشرائية مكاسب دائمة، راسخة في السير الطبيعي للاقتصاد الوطني.
ومن خلال هذه المقاربة التدريجية، المنظمة والشاملة، تؤكد موريتانيا إرادتها في بناء سوق أكثر عدالة، وأشد صمودًا، وأكثر خدمةً لمواطنيها، مع إرساء أسس حوكمة اقتصادية حديثة ومسؤولة.
وتبرهن الديناميكية الجارية على أنه حين تضطلع الدولة بدورها كاملًا، بوصفها منظمًا، وميسّرًا، وحاميًا، فإن الانعكاسات الإيجابية تتجسد سريعًا في حياة المواطنين اليومية.
وفي هذا الأفق، القائم على الصرامة، والإصغاء، والابتكار المؤسسي، يتشكل اقتصاد أكثر توازنًا، وأكثر عدلًا، وأقدر على مواجهة التحديات.
مستشارة وزيرة التجارة/ رباب كابر هاشم